أبي منصور الماتريدي

139

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

يتعارض مع هذا العدل أن يحاسب الله الإنسان على أفعال ليست من إرادته أو اختياره . كما يترتب على عدم القول بذلك بطلان التكليف والأوامر والنواهي ؛ لأن الاختيار مناطها ، كما يبطل الثواب والعقاب ؛ لأنه لا معنى لأن يعاقب المرء أو يثاب على غير فعله ، وتنتفي الحكمة من إرسال الرسل وإنزال الكتب . وثمة دليل آخر احتج به المعتزلة على حرية الإنسان وإرادته ، خلاصته : أن الله تعالى لو كان هو الفاعل المريد لأفعال العباد ، لنسب إليه عزّ وجل ما يقع على أيديهم من المعاصي والشرور والقبائح ، وهو أمر لا يصح أن يوصف الله به « 1 » . واستدل المعتزلة لصحة ما ذهبوا إليه بآيات كثيرة من القرآن الكريم تثبت للإنسان إرادة حرة واختيارا مقصودا ؛ كقوله تعالى : فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ . وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [ الزلزلة : 7 ، 8 ] ، وكقوله تعالى : يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً [ آل عمران : 30 ] . على هذا النحو كان رأي المعتزلة في حرية الإنسان ، ورأوا أن القول به يجعل التكليف مستساغا والثواب مقبولا والعقاب عادلا وينزه الله تعالى عن الشرور والآثام التي تجري على يد الإنسان . 3 - الوعد والوعيد : ربط المعتزلة بين العمل والجزاء ربطا وثيقا ، فجاء قولهم بالوعد والوعيد ملائما لهذا الربط ، فالله تعالى وعد الطائعين ثوابا عظيما وجنة خالدة وأوعد المذنبين عقابا أليما ونارا يصلونها ، والواجب على الله تعالى ألا يخلف وعده أو وعيده ؛ لما ينطوي عليه ذلك من فعل القبيح والله لا يفعل القبيح . يقول أحد الباحثين مصورا رأي المعتزلة في وجوب الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية : « أما وجوب الثواب على الطاعة فلأن التكاليف الشاقة التي كلفنا الله بها ليست إلا لنفعنا وهو بالثواب عليها ؛ إذ ليس بمعقول أن يكلفنا الله بشيء لا لغرض لأن ذلك عبث ، فيستحيل صدوره من الله لقبحه ؛ فوجب أن يكون التكليف لغرض وهذا الغرض ينبغي ألا يكون عائدا إلى الله لتنزهه وتعاليه عن الانتفاع والضرر ، بل يجب أن يكون هذا الغرض عائدا إلى العبد وحده ، ثم يقال : لا يجوز أن يكون عائدا عليه في الدنيا لأن الإتيان

--> ( 1 ) د / عبد المقصود عبد الغني ( ص 92 ) .